سعيد حوي
1580
الأساس في التفسير
في القرآن الكريم . . إنما يقرّر حقيقة ، ويقرّر سنّة ، ويقرّر طرفا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ . . إنه يقرر حقيقة الذنوب تهلك أصحابها ، وأن اللّه هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ؛ وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير ، أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب . . كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ : فإنّ هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال ؛ من عوامله ، فعل الذنوب في جسم الأمم ؛ وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار ؛ إما بقارعة من اللّه عاجلة ، وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي ، الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب ! وأمامنا في التاريخ القريب - نسبيا - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي ، والدعارة الفاشية ، واتخاذ المرأة فتنة وزينة ، والترف والرخاوة ، والتلهي بالنعيم . . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله ، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة ، كفرنسا وإنجلترا - كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض . إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة ، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها . . ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية . والتفسير الإسلامي - بشموله وجديّته وصدقه وواقعيّته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير المادي هي كل شئ - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة ؛ ويبرز العناصر الفعالة الأخرى . . التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود . . يبرز قدر اللّه من وراء كل شئ ؛ ويبرز التغيّر الداخلي في الضمائر والمشاعر ، والعقائد والتصوّرات ؛ ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي . . ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنّة اللّه في الحياة » . 2 - [ توجبه للآية ( 6 ) ] في قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يمكن أن نحمل الآية على المخاطبين الأوّلين فيها وهم أهل مكة ، وعندئذ يكون واضحا أن الأمم السابقة ، والأقوام السابقين قد مكّن لهم ما لم يمكّن لأهل